logo

بونا ملوال

المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة

في رحاب الرب السفير صامويل أودات أيول


في ليلة خيم عليها الحزن العميق وافقت عيد القيامة يوم الأحد الثامن من أبريل 2007م فارق هذه الدنيا الى جوار الرب السفير صامويل أودات ايول، وفقدت الدبلوماسية السودانية واحداً من ألمع كوادرها عن عمر لم يتجاوز الواحد وخمسين عاماً.

صامويل أودات ايول أو ?سام? كما يحلو لزملائه وأصدقائه ان ينادوه، من الكوادر الدبلوماسية الشابة التي تم تعيينها بوزارة الخارجية وفاءً لنسبة الـ ?25%? المحددة لجنوب السودان وفق اتفاقية السلام الشامل.

لقد كان السفير صامويل شعلة من النشاط استطاع في وقت وجيز ان يتفوق ويتميز وليس بالنسبة لزملائه الجدد فحسب، وإنما حتى بالنسبة للسفراء المهنيين الذين مارسوا العمل الدبلوماسي منذ بداية حياتهم العملية.

اكتسب السفير صامويل ثقة وحب جميع العاملين معه، وعندما تولى ادارة التدريب بوزارة الخارجية أولاها جل اهتمامه ورعايته وفتح الباب واسعاً لتدريب الدبلوماسيين الشباب وأرسل عدداً منهم في بعثات دراسية بالخارج.

كانت وفاته المفاجئة صدمة عنيفة لأصدقائه المقربين لأنه كان يتمتع بصحة جيدة وبحيويته المعتادة ونشاطه الجم حتى اليوم الأخير في حياته العامرة بالبذل والعطاء، وإن كانت وفاته لم تصدق كما هو الحال عندما يحدث الموت بغتة، فقد صاحبت وفاته بعض الظواهر غير العادية التي تدل على سمو روحه وإيمانه العميق، حيث داهمه المرض وهو يؤدي الصلاة بالكنيسة الإنجيلية بالخرطوم وخرج بشجاعة نادرة وقاد عربته بنفسه للمنزل رغم الألم الشديد الذي كان يشعر به، وعندما أخطر زوجته بالألم في صدره أخذته مباشرة للمستشفى العسكري بأمدرمان وحاول الأطباء إنعاش قلبه دون جدوى وأعلنت وفاته بعد ساعات قليلة بنوبة قلبية.

ترك صامويل وراءه أسرته المكلومة التي تتكون من خمسة بنين وبنات وزوجته البريطانية ?جيرالدين? وزوجته السودانية ?فيفيان جوزيف ماييك? وطفلة صغيرة لم تتجاوز السنتين من العمر.

لقد عرفت صامويل عن قرب خلال ثمانية عشر عاماً قضيناها سوياً بالمملكة المتحدة خلال الحرب الأهلية التي امتدت لأكثر من عقدين من الزمان، التي انتهت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا العام 2005م وهي الاتفاقية التي التحق بموجبها لخدمة وطنه بوزارة الخارجية.

لقد كنت دائماً أكن له حباً عظيماً كابن وجدت فيه كل الحب والمودة والاحترام لفارق السن بيننا، وقد كان معظم الشباب الجنوبيين حتى الذين لا يتفقون معي في الرأي يناديني ?بالعم بونا?، ولكني كنت أحس بهذه العبارة تصدر من صمويل بطريقة مفعمة بالمودة والإلفة والإخلاص.

لقد اتفق جميع الذين شهدوا وداعه الأخير خارج منزل الدكتور لام أكول وزير الخارجية في يوم الثلاثاء 12/أبريل/2007م بأن صامويل لم يكن لديه أعداء، لم أتحدث في مشهد الوداع، ولكن أود هنا ان أؤكد بأن فقيد البلاد والدبلوماسية لم يعرف له أي أعداء خلال حياته داخل وخارج السودان.

خلال انشقاق الحركة الشعبية لتحرير السودان وعندما انفصلت مجموعة الناصر العام 1991م تفوق صامويل أودات على نفسه وكان قلبه الكبير يتصل بالأعداء قبل الأصدقاء وكونت الحركة الشعبية لتحرير السودان المتحدة التي كان صامويل الناطق الرسمي باسمها بالمملكة المتحدة.

لم أكن في يوم من الأيام عضواً بالحركة الشعبية لتحرير السودان ورغم ذلك كنت من المعارضين لانشقاق مجموعة الناصر، وقد كتبت مقالات شخصية عديدة في إصدارتي بلندن ?الغازيت الديمقراطية? منتقداً انشقاق مجموعة الناصر ولم أكن اتصور بالنسبة لحدة مقالاتي، إنني سأحتفظ بود صامويل أودات ايول ولعلي كنت مخطئاً فقد كان دائماً يقابلني بنفس الابتسامة الودودة التي تدل على السماحة التي يتمتع بها التي مكنته من الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع كل الدوائر الموجودة بالمملكة المتحدة حتى الذين يخالفونه الرأي.

وأخيراً إن كنا جميعاً قد تألمنا لفقده فَقَدْ فَقَدَ السودان عامة والجنوب بصفة خاصة شخصاً عظيماً في مجال الخدمة العامة تربى في أحضان الإرث الملكي العظيم لقبيلة الشلك العريقة التي أكسبته كل هذه القيم الإنسانية النبيلة.

ولا شك أن السودان وجنوب السودان على وجه الخصوص والإنسانية بصفة عامة قد فقدت الكثير بغياب صامويل أودات أيول.

?طوبى للأموات? ?فلترقد روحه بسلام?